الغزالي
26
إحياء علوم الدين
فإذا من ارتقى إلى ذروة المعرفة ، وعرف الله تعالى ، خافه بالضرورة ، فلا يحتاج إلى علاج لجلب الخوف . كما أن من عرف السبع ، ورأى نفسه واقعا في مخالبه ، لا يحتاج إلى علاج لجلب الخوف إلى قلبه ، بل يخافه بالضرورة شاء أم أبى . ولذلك أوحى الله تعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام . خفني كما تخاف السبع الضاري . ولا حيلة في جلب الخوف من السبع الضاري إلا معرفة السمع ، ومعرفة الوقوع في مخالبه ، فلا يحتاج إلى حيلة سواه . فمن عرف الله تعالى عرف أنه يفعل ما يشاء ولا يبالي ، وبحكم ما يريد ولا يخاف ، قرب الملائكة من غير وسيلة سابقة ، وأبعد إبليس من غير جريمة سالفة . بل صفته ما ترجمه قوله تعالى . هؤلاء في الجنة ولا أبالي ، وهؤلاء في النار ولا أبالي . وإن خطر ببالك أنه لا يعاقب إلا على معصية ولا يثب إلا على طاعة ، فتأمل أنه لم يمد المطيع بأسباب الطاعة حتى يطيع شاء أم أبى ولم يمد العاصي بدواعي المعصية حتى يعصى شاء أم أبى ، فإنه مهما خلق الغفلة ، والشهوة ، والقدرة على قضاء الشهوة ، كان الفعل واقعا بها بالضرورة فإن كان أبعده لأنه عصاه ، فلم حمله على المعصية . هل ذلك لمعصية سابقة حتى يتسلسل إلى غير نهاية ، أو يقف لا محالة على أول لا علة له من جهة العبد ، بل قضى عليه في الأزل وعن هذا المعنى عبر صلى الله عليه وسلم إذ قال [ 1 ] « احتج آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام عند ربهما فحج آدم موسى عليه السلام قال موسى أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك جنته ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض فقال آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أخلق قال موسى بأربعين عاما قال آدم فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى قال نعم قال أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله علي قبل أن أعمله وقبل أن يخلقني بأربعين سنة » قال صلى الله عليه وسلم « فحج آدم موسى » فمن عرف السبب في هذا الأمر معرفة صادرة عن نور الهداية ، فهو من خصوص العارفين المطلعين على سر القدر . ومن سمع هذا فآمن به وصدق بمجرد السماع ، فهو من عموم